التخطي إلى المحتوى

قصة طالوت وجالوت
الخطاب المدني (من الهجرة إلى بدر)

وقد ذُكِرَت في القرآن في سورة البقرة، كما أن نزولها كان قبل غزوة بدر، وكان لها عظيم الأثر في نفوس المسلمين وإعدادهم معنويًّا لمواجهة أحداث قد سبقهم في مثلها مؤمنون مثلهم، وقد كانوا قلة قليلة مثلكم أو كما ستكونون في بدر، بل إن الآثار الواردة تؤكد التطابق في العدد، كما ورد في البخاري بسنده عن البراء رضي الله عنه قال: “كنا – أصحابَ محمد صلى الله عليه وسلم – نتحدثُ أن عِدَّة أصحابِ بدر عدةُ أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر، ولم يتجاوز معه إلا مؤمنٌ بضعةَ عشرَ وثلاثُمائة”[1]، وكما كان النصر حليف الفئة القليلة المؤمنة من أصحاب طالوت، كان النصر – أيضًا – حليف الفئة القليلة المؤمنة من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حينما تغيرَتْ موازين القوى بتدخل المشيئة الإلهية وإرادتها لتحقيق النصر كما سيتبين.

بدأت مقدِّمات قصة طالوت بقوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴾ [البقرة: 243]؛ (تأمَّلِ المقدمات هنا والمقدمات في بدر).

والقضية هنا هي قضية الموت، وهل يمنع حذرٌ من قَدَر؟ وهل الفرار من الجهاد سيُجَنِّبه الموت؟ وهل الذي يهرب من الجهاد خوفًا من القتل وحرصًا على الحياة يتحقق له ما أراد؟ يقول القرطبي في تفسيره لهذه الآية: قال ابن عطية: “وإنما اللازم من الآية أن الله تعالى أخبر نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم إخبارًا عن قوم من البشر خرجوا من ديارهم فرارًا من الموت فأماتهم الله ثم أحياهم؛ ليرى كلُّ من خَلَفَ مِنْ بعدِهم أن الإماتة هي بيد الله تعالى لا بيد غيره، فلا معنى لخوف خائف، ولا لاغترار مُغْتَرٍّ، وجعل الله تعالى هذه الآية مقدِّمَة بين يدَيْ أمر المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالجهاد، وهو ظاهر وصف الآية”[2].

وقد نوقشت هذه القضية في مواضع أخرى، كما في سورة آل عمران؛ قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ﴾ [آل عمران: 145]، وقال تعالى في الحديث عن غزوة أُحُد: ﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ [آل عمران: 154]؛ أي: إن الله تعالى قد قدَّر لكل إنسان متى يموت وأين يموت وكيف يموت؟ فلو أنكم في بيوتكم قاعدين متخلفين وأراد الله تعالى لكم الموت قتلى في موضع مُعَيَّن، لأخرجكم إلى موضع مصارعكم، سواء بقتال أم بغير قتال؛ فلا تهربوا ولا تجبنوا، وكما في سورة النساء قوله تعالى: ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ﴾ [النساء: 78].

 

التعليقات